ابو القاسم عبد الكريم القشيري
33
الرسالة القشيرية
ولا يحمله على الفعل باعث « 1 » ، ولا يجوز عليه لون ولا كون ، ولا ينصره مدد ولا عون ، ولا يخرج عن قدرته مقدور ؛ ولا ينفك عن حكمه مفطور « 2 » ، ولا يعزب « 3 » عن علمه معلوم ، ولا هو على فعله كيف يصنع وما يصنع ملوم . لا يقال له : أين ، ولا حيث ، ولا كيف « 4 » ، ولا يستفتح له وجود : فيقال : متى كان : ولا ينتهى له بقاء : فيقال إستوفى الأجل والزمان . ولا يقال : لم فعل ما فعل ؛ إذ لا علة لأفعاله « 5 » ، ولا يقال ما هو ، إذ لا جنس له فيتميز بأمارة عن أشكاله « 6 » . يرى لا عن مقابلة ، ويرى غيره لا عن مما قلة ، ويصنع لا عن مباشرة ومزاولة . له الأسماء الحسنى ، والصفات العلا ، يفعل ما يريد ، ويذل لحكمه العبيد ، لا يجرى في سلطانه إلا ما يشاء ، ولا يحصل في ملكه غير ما سبق به القضاء ، ما علم أنه يكون من الحادثات أراد أن يكون . وما علم أنه لا يكون ، مما جاز أن يكون : أراد أن لا يكون . خالق أكساب العباد : خيرها وشرها . ومبدع ما في العالم من الأعيان والآثار : قلها وكثرها . ومرسل الرسل إلى الأمم من غير وجوب عليه . ومتعبد الأنام على لسان الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، بما لا سبيل لأحد باللوم والاعتراض عليه ، ومؤيد نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ، بالمعجزات الظاهرة ، والآيات الباهرة ، بما أزاح به العذر ، وأوضح به اليقين والنكر ، وحافظ بيضة « 7 » الإسلام بعد وفاته ، صلى اللّه عليه وسلم ، بخلفائه الراشدين ، ثم حارس الحق وناصره بما يوضحه من حجج الدين على ألسنة أوليائه ، عصم الأمة الحنيفية عن الاجتماع على الضلالة ، وحسم مادة « 8 » الباطل بما نصب من الدلالة ، وأنجز ما وعد من نصرة الدين بقوله : « لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » « 9 » فهذه : فصول تشير إلى أصول المشايخ على وجه الإيجاز . وباللّه التوفيق . * * *
--> ( 1 ) لأنه منزه عن الغرض والعلة إن كانت أفعاله لا تخلو من حكمة . ( 2 ) مفطور : مخلوق . ( 3 ) يعزب : يغيب . ( 4 ) لأنه منزه عن المكان والكيفية . ( 5 ) لا يسأل عما يفعل . ( 6 ) أشكاله : أمثاله . ( 7 ) عزه وجماعته . ( 8 ) مادة : أصل ومنشأ . ( 9 ) آية : 33 من سورة التوبة .